Apr 30, 2008

Chroma

رأيتنى ذات لحظةٍ سائلةٍ بين نومى و اليقظة واقفاً تحت ضوء مصباح وحيد يضئ - كفكرة - طلاء الجدران فى المدخل المظلم للبيت الذى عشت فيه يوماً مع والدىَّ مرتدياً ملابسى الداخلية بأطراف فانلتى ذات الحمالتين مضمومة بعناية داخل شورت قصير أرتديه و أنا أتمعن ناظراً فى عينىْ فتاة ترتدى رداءًا منزلياً شفافاً من حرير بقوة حضوره و بقوة حضور شعرِها لم أتبين أكانت تعقصه بشريط أم تركته طليقاً معها لا أعرف لونه و لا طوله أشعر فقط بملمسه أمامى فوق وجهٍ لا أعرف له شكلاً فقط يدى اليمنى تلامس حافة الباب الخشبى للمدخل حيث تقف هى فى فوهته نتواعد على توقيت لقاءنا فى غرفتى بعد أن ينام الجميع نتهامس معاً على ضوء الفكرة و اللاشئ - كشعور - بابتسامةٍ على وجهينا لم أكن لأصفها بابتسامة إلا لوعيى بما تعنيه سعادة الابتسام بمعنى أنى الآن سعيد سعادة المبتسمين إذن فأنا الآن أبتسم لا أحتاج دليلاً أقوى للوصف و لأنها تعيش قرب غرفتى أسمعها بعد إغفاءةٍ مدبرة منى تزحف بنعومة خارج النافذة الضيقة لغرفتى أنهض بهدوء يتزامن مع دخولها و استواءها فوق فراشى بنفس ردائها الشفاف نجلس فى صمت و بسعادة المبتسمين تشيح وجهها بخجل و رقة أصابانى فوراً بالموت دون أدنى احساس بالغياب أخبرها أنى سأريها فيلماً قد صنعتُه لها تخبرنى أنها تتوق لرؤيته فهى لم ترغب بشئٍ طيلة حياتها سوى التمثيل أصمت و أضغط بيدى على شئٍ ما لتضاء الغرفة بنورِ شاشةٍ ليست برقمية كشاشات الكمبيوتر و لا بها دائرة تليفزيونية كشاشات التليفزيون هى فقط شاشة كفانى الضغط عليها لتضئ بما أردتُه من اللا ألوان و اللا أشكال و اللا حركة فلا شئ غيرها هى نفسها الجالسة فوق فراشى ترتدى داخل الشاشة نفس الرداء الشفاف لتؤدى دوراً لم أكتبه لا تعرف ما الذى ينير الغرفة الآن من أطياف و أحاسيس صرفة مجردة بلا تجسيد لا شئ أعقدُ منها هى نفسها تؤدى داخل فيلمى دوراً لم يدهشْها كما لم يدهشْنى إنعدام دهشتها فالفيلم انتهى خطفاً - كطيف - و كأنه لم يعرض و كأن كما لم توجد الألوان و لا الأشكال و لا الحركة لم يوجد هو نفسه فور إظلام الشاشة تلامست شفانا بقبلة ناعمة ليس لها طعماً محدداً قبلة حريرية أحسست بها كما أحسست بكف يدى كيف هو ملمس ظهرها تحت الرداء ثمةُّ أصواتٌ متقطعة مضحكة تصدر عن التقاء شفانا معاً نبتسم و ندّعى الهمس فى قبلتنا (الهمس) لأن الجميع خارج الغرفة يغط فى نومه جاهلاً ما يحدث و (ندّعى) لأن الأصوات المتقطعة المضحكة لقبلاتنا تزداد علواً بلا توقف فما شعرنا به لحظتها هو سعادة المبتسمين فقط.

Apr 25, 2008

لطيف للغاية


إعلام و مؤسسات النظام الناصرى تسببت بحماقاتها طيلة حكم "جمال عبد الناصر" فى يأس و إحباط جيل الشباب آنذاك, تحديداً بعد هزيمة 1967, هذا الجيل يسمونه الآن "جيل الستينات", و هو الجيل الذى يرزح على قلوبنا منذ ما يزيد عن العقدين فى معظم المواقع الرسمية و الغير رسمية, المقروءة و المسموعة و المرئية, بدعوى أنه جيل الهزيمة الذى ذاق الأمرين و عايش تجربة لم يعايشها أحد... لا بأس فالقرن الماضى ملئ بنوعية من الحماقات معروف عنها طول الأمد و استمرارية المفعول, ربما لأنها كانت حماقات عظيمة بطبيعتها... تستمر الحماقات الآن لتصير حماقات "بضينة", و هو الوصف الذى بدأت أتغاضى الآن عن أى دلالة تشريحية له إذا ما سمعته من أى أنثى مصرية تضطر إلى استعماله لتصف حالة القرف التى تباغتها فى لحظة ما, بدأت أتغاضى لسببين : أولهما أن العالم سيظل ذكورياً على ما يبدو حتى ينتهى شكل الحياة الحالى و لعل ذلك خير, ثانيهما أن الشاب الذى أعلن عن مكافأته "إسراء عبد الفتاح" - لنضالها السياسى - بالتقدم لخطبتها رسمياً على سنة الله و رسوله و على مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان, يشير إلى أن مستوى الحماقة عند الذكور أصبح كافياً بشكل يؤهلهم للاستمرار فى حكم العالم حتى يبدأ نوع آخر من أنواع الحياة على هذا الكوكب.

فهذا البحث المنهك الذى يقوم به كل من يضع سلكاً كهربائياً عارياً (قطره 6 سنتيمتر) فى ثقب مؤخرته ماسكاً بأيدى زملائه فى الكفاح الموسمى العشوائى - الغير فوضوى رغم ذلك - لإيجاد رمز - أى رمز - و لو زائف, أصبح بحثاً "بضيناً" جداً, فها هى "إسراء" قد أدّت دورها المرحلى على أكمل وجه, و ما عليها الآن سوى أن تصطحب والدتها إلى صالة المطار, و أن تخفى خصلات شعرها الهائمة خارج غطاء رأسها بين الحين و الآخر كأى فتاة مصرية كانت تجلس إلى جوارك يوماً فى وسيلة مواصلات عامة... أما الجيل "البضين" الحالى فسيظل يلوك أزمة "جيل الستينات" فى لا وعيه بنفس القداسة طالما أنها أزمات تجلب المعنى و تضفى البهاء و تمنحه الزعامة حين يصير كهلاً, حتى و لو كانت أزمات سريعة القذف, فهو الآن جيل يعى تماماً دوره فى لعبة السياسة, التى تتلخص فى ممارسة "البيضان" على صفحات الإنترنت أو غيرها لينام بشكل أهدئ, باحثاً فى الصباح التالى عن نكتة أفضل, مستكملاً دوره فى بناء عقل "موحد" و "جمعى" "لطيف" و "بضين" للغاية.

Apr 4, 2008

Eyes Wide Shut

كنت أتمنى أن أكون واقفاً عام 1999 أمام بوابة دار سينما "أمير" تماماً عند تقاطع شارع فؤاد مع شارع صفية زغلول فى الإسكندرية, واقفاً أحمل تذكرة دخول فيلم Eyes Wide Shut, أدخل فأعطى البلاسير ورقة بنكنوت بخمسون قرشاً كنت قد لففتها جيداً, ليبتسم ثم يشير أمامى نور الكشاف معه و يدلنى إلى مقعدى, يعطينى التذكرة فى هدوء و صمت تاركاً إياى فى سلام ليذهب بحثاً عن آخر يقف عند باب القاعة, أشاهد Trailer لفيلمين عل أحدهما لفيلم American Beauty, ثم يتم عرض بيان رقابى يخبرنى أن الفيلم مجاز رقابياً بشكل كامل و أنه لم يأمر أى مسئول بحذف لقطة أو محو جملة من الفيلم إيماناً أن غير ذلك سيخدش هذا العمل الفنى خدشاً عميقاً, لذا فإن نسخة العرض هى نفس النسخة التى تعرض فى الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا.. فى النهاية يتمنون لنا مشاهدة ممتعة بخط أنيق, أجلس بعدها مدة 159 دقيقة فى متعة صرفة مع Eyes Wide Shut, فقط بعد انتهاء فالس Shostakovich المصاحب للتترات و بعد انتهاء الحملقة فى شكل الخط الذى كتبت به ... تضاء أنوار القاعة بإيقاع محسوب.

فأنا مقتنعٌ تمام الإقتناع كـ Kundera أن لا عفوية البتة فى عمل فنى عظيم كما هو اقتناعى أن Kubrick لم يصنع سوى هذا الفيلم.

Mar 13, 2008

وجهة نظر

- مقال لـ "جوزيف مسعد" - أستاذ السياسة و الثقافة العربية الحديثة فى جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الامريكية - منشور فى جريدة الـ Ahram Weekly العدد رقم 886 الصادر 28 فبراير 2008 (قامت بترجمة المقال Alexandra).

- الصور الموجودة هنا مرفقة مع المقال فى نفس العدد.

--------------

لم تتوقف الفظائع الصهيونية ضد الفلسطينين عبر القرن الأخير، ظلت أيضاً مستمرة ضد باقي العرب و إن كانت متقطعة خلال الأعوام الستون الماضية, لا يقتصر ذلك على قصف و قتل اللبنانيين و السوريين و الأردنيين و التوانسة و المصريين و الليبين و لكنه يتضمن أيضاً أعمال إرهابية ضد اليهود العرب خاصة يهود العراق الذين أتى شتاتهم إلى إسرائيل بعد سلسلة من التفجيرات في بغداد في أوائل الخمسينات، بجانب المأساة التي سببوها لليهود المصريين, ذلك دون ذكر يهود اليمن والمغرب الذين نجحت الصهيونية في تعطيل حياتهم وتحويلها, و بينما لم تنجح الأنشطة الصهيونية في مصر قبل الحرب العالمية الثانية، فقد وضح إصرار الصهيونية على أنها تتحدث و تعمل باسم جميع اليهود داخل وخارج فلسطين.

و يصبح الوضع أكثر خطورة بعد إنشاء إسرائيل عام 1948, و لكن فقط بعد الكشف عن شبكة تجسس إسرائيلية ارتكبت أعمالاً إرهابية في مصر عام 1954 (التي عرفت بقضية لافون) و اشتراك إسرائيل في غزو مصر عام 1956 ستصبح حياة اليهود المصريين غير قابلة للدوام و استمرار وجودهم كجماعة شبه مستحيل, هذا لا يعني أن القومية العربية لم تكن مسئولة عن قبول المزاعم الخاطئة للصهيونية و إسرائيل عن أنهم يتحدثون باسم جميع اليهود بما في ذلك اليهود العرب, و لا يعنى أن الحكومة المصرية لم يكن بوسعها أن تعمل بشكل أكبر على حماية اليهود المصريين من الغضب الشعبي والتحرشات التي مارستها أجهزة الدولة ضدهم, و لكن يجب التأكيد على أن جزء غير قليل من المسئولية عن الرحيل المأساوي لليهود المصريين بين أعوام 1954 و 1957 (الأعوام التي هاجر خلالها أكبر عدد منهم) يجب أن توضع على أعتاب اسرائيل.

إن أهمية قضية لافون أو عملية سوزانا كما أطلق على تلك العملية الإستخباراتية التي قامت بها المخابرات العسكرية الأسرائيلية لا يمكن إنكارها لأن نجاح اسرائيل في تجنيد بعض اليهود المصرين لتفجير مواقع في القاهرة و الأسكندرية تتضمن مكاتب بريد و سينمات و مكتبة و محطة قطارات تسبب في مخاطر لأفراد الطائفة جميعاً و التي تم للأسف إدانتها في تلك "القضية" بالعمل لصالح العدو, إن أي تقييم للحياة المأساوية لليهود المصريين في خمسينات القرن الماضي يتم خلاله تجاهل هذا الفصل المحوري في حياتهم, سيمثل تهديداً لنزاهة التقييم نفسه أو على الأقل يكشف جهلاً و سذاجة.

مع ذلك فقد استطاعت "نادية كامل" في فيلمها التسجيلي المؤثر (سلطة بلدى) أن تتجاهل قضية "لافون" بينما هي تؤرخ بحساسية للمصاعب الشخصية التي شعر بها بعض اليهود المصريين الذين تفرقوا عن عائلاتهم, إن فيلم سلطة بلدي على حق في تجاهل قضية "لافون"، فالقصة التي يرويها الفيلم ليست عن تفرق عائلة يهودية نتيجة حرب 1948 أو نتيجة قضية "لافون" أو نتيجة الغزو الأسرائيلي في 1956, و إنما افتراق والدتها "ماري روزنتال" المعروفة بـ "نائلة كامل" عن أولاد عمتها الذين غادرو الى مصر إلى فلسطين عام 1946 كان بناءًا على الولاءات الصهيونية لابن عمتها الأكبر "بيبي" الذي كان عضواً في خلية صهيونية, لكن القصة التي يود الفيلم أن يرويها لا تحكي عن الرواية المؤثرة للعجوز "ماري/نائلة" التي تحن إلى صديقة طفولتها "سارينا" و إنما عن قصة لمصر ما كانت كوزموبوليتانية كما يصفها ابن عم إسرائيلي لـ "نادية" في وقت متأخر من الفيلم, كما تتطوع ابنة عم مصرية في التوقيت المناسب (مصر خليط من الجنسيات ما عدا الصعيد والأقباط, همّا ما اختلطوش بالآخرين).

يقول لنا الفيلم أن التنوع غير ممكن في مصر الآن و الدليل هو ما يعلنه إمام المسجد في خطبة العيد التي يتم افتتاح الفيلم بها, تحديداً مقولته أن على المسلمين أن (يهبوا للدفاع عن الإسلام ضد الأعداء الذين يهدفون الى محوه من على وجه الأرض), إن قلق "نادية" هو بالأساس على ابن أختها "نبيل" حفيد "نائلة" و يعيد صوتها صياغة ما يقوله الشيخ باحساس متوجس و بقلق كبير, خاصة عندما ترى "نبيل" يستمع الى الإمام و هو يلخص العالم في المسلمين و أعدائهم, تعلن "نادية" أن (كلمات الإمام بقيت معي, و رحلت بقلب مثقل و تذكرت أني عندما كنت في عمر "نبيل" كانت جدتي تحكي لي حكايات الأغراب الذين ألتقوا وأحبوا بعضهم البعض وأصبحوا جدودي و والداي, لو أن تلك الحكايات لم تحكى مرة أخرى فستندثر), إن التنوع بين الأغراب في الحب و ليس التشابه بين المسلمين في الكراهية - كما تقول "نادية كامل" - هو ما يبني القصص الأصلح للحكي عن مصر التي لا يعرفها "نبيل" الصغير و التي تقرر أن تحكيها له و لنا معه.

ويبدو أن "نبيل" يعرف بالفعل جزء كبير من تلك الحكاية, فهو يفهم أن والده نصف فلسطيني نصف مصري و أن جده الفلسطيني السياسي "نبيل شعث" يعيش في غزة, يعلم الصغير "نبيل" أيضاً أن أمه نصف مصرية و ربع ايطالية و ربع يهودية, يعلم هذا الجزء الأخير في سياق الفيلم, و لكن من السخرية أنه بينما يتحمس "نبيل" لأصوله الـ "سلطة بلدي" أي المكونة من أجزاء كثيرة مختلفة, فهو يعدد لخالته "نادية" المكونات المختلفة لهويته و تكتبها هي على, يختتم "نبيل" كلامه باللغة الإنجليزية قائلا أنه (نصف فلسطيني ربع إيطالي ربع لبناني) ثم يتسائل إن كان هناك أي مكون أمريكي فيه و يقرر أن لابد أن يكون الأمر كذلك, من المدهش أن الصغير "نبيل" في حقيقة الأمر نصف مصري، ربع فلسطيني، ثمن إيطالي، 1/16 من شرق أوربا، 1/16 من يهودي تركي و لكنه لا يضمن كلامه النصف المصري على الإطلاق, و لا يستطيع المرء إلا أن يتسائل إن كان هذا هو الدرس الذي يتعلمه في سياق الفيلم.

بالإضافة إلى ذلك فإن عدم رضا "نادية" عن خطاب الإمام يفاجئنا باختصار واقع مصر المعاصرة في كلامه, و لكن مصر اليوم ليست أقل كوزموبوليتانية عن تلك التي تربت فيها, فبعيداً عن أن والد "نبيل" نصف فلسطيني (إلا إذا كان وجود الفلسطينين في مصر يجعلها أقل كوزموبوليتانية من وجود اليهود فيها) فإن مصر في الوقت الحاضر تحتفي أيضاً بالأفكار والإنتاج الثقافي الأوروبي والأمريكي على جميع المستويات, إن جعل خطاب الإمام هو الصفة الأساسية لمصر المعاصرة وتجنيب خطاب الحكومة و القطاع الخاص و المنظمات غير الحكومية الأجنبية و القوة السياسية والفنية الغير إسلامية و التي يتم تكريرها عبر مئات القنوات الفضائية و المدارس الأجنبية التي يتعلم فيها "نبيل" الصغير و التي اكتسب منها لغته الأنجليزية (و التي تكتسح ببطء و لكن بثقة لغته العربية كما يبدو الحال في الفيلم) هو اختصار لمصر مماثل لما يتم اتهام الإمام بفعله, هل يجب علينا رؤية مصر الآن على أنها الإمام في مقابل "نادية كامل"؟ أم أن هناك لاعبين آخرين، مواقف سياسية و مشروعات ثقافية تتنافس للسيطرة في البلد؟ ليس الإمام وحده هو الإقصائي هنا لكنها "نادية" أيضا التي تختصر مصر اليوم في الإسلاميين و منافسيهم الكوزموبوليتانيين.

ينكشف لنا أن (سلطة بلدي) يمنح مساحة لعرض الأجندة السياسية للمخرجة "نادية كامل" تحت ستار حكي قصة أمها لابن أختها, إنها الغريزة الكوزموبوليتانية المسيطرة في سياق منهج "التعدد الثقافي" للدوائر الليبرالية الغربية و التي يتم تدريسها للجمهور المصري عبر الفيلم, يجب على المرء هنا أن يتذكر كلمات المُنَظّر ما بعد الكولونيالي "جياتري تشاكرافورتي - Chakravorty Gayatri" الذي قال (إن التعدد الثقافي هو العنصرية الجديدة), إن صراع الفيلم هو في حقيقة الأمر صراع "نادية كامل" لاقناع والدتها و والدها بزيارة إسرائيل, إنها تحرض على الوضع بأكمله و الذي يتم تقديمه لنا على أنه مأساة الأم, و لكن نادية هي من يدفع أمها (و أباها)، هي من يتحدث بالنيابة عن أمها و تجسد دوافعها و مخاوفها طوال الفيلم, إن (سلطة بلدى) يوثق بدون قصد للأسلوب الذي تقوم فيه "الإبنة/المخرجة" باقتياد "نائلة" ببطء على طريق الذهاب الى إسرائيل, تسألها "نادية" بشكل مباشر (قولي لي يا أمي، أليس لك أقارب في إسرائيل؟ كيف حدث أن بقيتي خمسون عاماً دون رؤيتهم؟), فترد الأم (الحق أنني لم أفكر كثيراً في هذا الأمر), و تضيف (لقد بدأت مقاطعة اسرائيل من قبل كل العرب و أنا كنت قد اعتنقت القومية العربية و الموقف المصري العام, أعلم بالطبع أنهم غير مسوؤلين عن السياسة الاسرائيلية، اليهود، ليسوا جميعاً... و لكن كان هناك شعور أنهم من فعلوا ذلك, لقد غادروا مصر و ذهبوا إلى هذا المكان بالذات), بل إن نائلة تعلن (هؤلاء الأقارب لم إفكر في زيارتهم كل هذا الوقت لأكثر من خمسين عام (قطع مونتاج) ثم أردت رؤيتهم خاصة و أني أتصور أنه لم يكن من الصحيح ان أقطع صلتي العائلية بهم لمجرد أنهم في اسرائيل).

و لكن هذا الحديث غريب نوعاً ما, إذ يتضح أن المدة ستون و ليس خمسون عام بما أن عائلة "نائلة" قد غادرت عام 1946 كما يقول أولاد عمتها الاسرائيليين "سارينا" و "بيبو", إن علامة الخمسون عام التي يتم الاشارة لها أكثر من مرة خلال الفيلم و التي تأتي مرتبطة بقضية المقاطعة تشير إلى فترة 1956 حين كان عبد الناصر في الحكم, إنها هجوم مباشر على الناصرية كعدو لليهود المصريين, و لكن ذلك لا يتفق مع الحقائق التي عرضها الفيلم, يقول "بيبو" بوضوح أنه رأى "نائلة" لآخر مرة قبل هجرة عائلته إلى فلسطين و كان عمرها 12 عام, كيف كان لطفلة في الثانية عشر أن تتخذ قرار ذو مرجعية سياسية بعدم رؤية أفراد من عائلتها ذهبوا الى اسرائيل قبل عام 1948 و قبل المقاطعة؟ هل هذه أحداث حقيقية أم تبريرات أيديولجية يتم تقديمها لجعل المقاطعة و الناصرية مسؤولة عن تشتت عائلة "نائلة" الذي حدث في وقت سابق عليهم؟ بل إن "نائلة" تقول في وقت لاحق أن تأيديها للمقاطعة كان واضحا من عمر 17 عام أي بعد هجرة أولاد عمتها بعدة سنوات.

في تل أبيب تتحدى "نائلة" عائلتها بتاريخ تقترحه لانتقالهم إلى فلسطين (لقد غادرتم عام 1950) و لكن "سارينا" ترد بتأكيد (لا, منذ 1946, لقد كنا هنا قبل الحرب), إذا كان هذا هو الحال فما هو السبب الحقيقي لرفض "نائلة" رؤية أولاد عمتها؟ إن لم يكن السبب هو المقاطعة أو الناصرية فماذا كان السبب؟ هل كان أولاد عمتها هم ما قاطعوها؟ لا يتحدث سلطة بلدي في هذه الجزئية, و لكن المخرجة لا تستطيع الادعاء أنها تحكي من جهة القصة الحزينة لسيدة و عائلتها و من جهة أخرى تضيف بعض المعلومات و تتجاهل البعض الآخر فيما يخص مسائل شديدة الأهمية السياسية لا يريد الفيلم أن يتحمل مسؤوليتها, قد يكون الفيلم يريد أن يقدم قصة شخصية و لكنه لا يفعل ذلك إلا ليقوي و يدعم موقف سياسي و أيديولوجي أبعد ما يكون عن البراءة.

على كل الأحوال فلا يعوق "نادية" عدم ارتياح المحيطين بها لمشروع إقناع والديها بزيارة إسرائيل, نراها طوال الفيلم على أنها أمراة لديها دافع و تبدو و كأنها في حملة أيديولوجية من نوع ما, فما أن يفتح موضوع السفر إلى إسرائيل لزيارة "سارينا" و عائلتها تبدأ نائلة في التردد, و لكن ترددها ليس مقبولاً تحت ضغط "ابنتها/المخرجة" التي تقول لأبويها بقوة وتخويف (هل ستذهبون إلى إسرائيل أم لا؟) نحن نرى عدم ارتياح الأب عبر جميع مراحل الفيلم وهو يقول لابنته (يفاجئني أنك تصورينني و تريدين اصطحابي في رحلة إلى إسرائيل), تشرح "نادية" موافقتها على السفر و تتحدث نيابة عن والدتها عن استعداد الأم لهذه الرحلة و تضيف باصطناع أنها أيضا مستعدة و أنه عندما يصبح والدها مستعد نفسياً ستأخذ جوازات السفر للقيام بالترتيبات اللازمة للسفر, عندها تتردد "نائلة" مرة أخرى و يعقب ترددها لحظة توتر و تقول "نادية" بطريقة تشبه التهديد (هل ستغيرين رأيك ؟) فترد الأم بخوف (أنشاء الله لن أغير رأيي), تصبح الكاميرا متسلطة بشكل خطير خلال هذه المناقشة فهي تقع مباشرةً أمام وجه الأب والأم، تواجههم، تطالبهم بالاجابات الصحيحة, يقاومون أوامر الكاميرا وأوامر "نادية" بألم واضح على وجوههم. حتى عندما تصر "نائلة" على استشارة عائلة زوجها التي أصبحت عائلتها بالتبني، تأخذ نادية على عاتقها مهمة إقناعهم.

"نادية" هي أيضا من يحاول ااقناع أختها "دينا" والدة "نبيل" الصغير بالسفر معهم و لكن "دينا" ترفض باصرار, بعد ذلك تقوم بإصطحاب والديها لزيارة "راندا شعث" عمة الصغير "نبيل" و صديقة "نادية" لاقناعها بالذهاب معهم إلى إسرائيل دون النظر لعدم استطاعة "راندا" دخول إسرائيل باعتبارها فلسطينية و هو ما تشرحه لهم, بل إنه في وقت مبكر من الفيلم و عندما تبدأ "نائلة" بكتابة برنامج للرحلة التي ترغب في أصطحاب "نبيل" فيها و تضمنها إسرائيل، لا يبدو في هذه النقطة أنها تعلم أن "نبيل" بصفته فلسطينياً لا يستطيع الذهاب إلى إسرائيل, أما عندما يصلون الى إيطاليا لزيارة شقيق "نائلة" و أولاد خالهم الذين يعيشون هناك، نعلم أن "نائلة" سعت للحصول على الجنسية الإيطالية لتمنحها لابنتها "دينا" التي يمكنها عند ذلك منها لـ "نبيل", كيف إذاً كانت وضع برنامج الرحلة في الأصل متضمنا "نبيل"؟

مما يحسب لصالح المخرجة أنها لم تتخلص من المشاهد التي تضمنت تردداً من قبل الجميع و رفضاً من البعض قبل أن يستسلموا لحتمية الرحلة إلى إسرائيل, لقد قامت "نادية كامل" بتصوير مئات الساعات اختارت منها ما ظهر في الفيلم, إن هذا الأمر يقول لنا أن تلك العملية كانت محفوفة بصعوبات أكبر من تلك التي بدت لنا في المقاطع التي شاهدناها, و لكن المخرجة تسجل تلك اللحظات بشكل مبهم, يتم تسجيلهم في الغالب ليس كـ "لحظات تردد في أجندتها السياسية" و إنما كنتاج للخوف من السياق السياسي السائد و هو "المقاطعة" أو "الخوف من أجهزة المخابرات" أو من "إغضاب أفراد آخرين في العائلة" أو "حواجز نفسية", فقط في لحظات نادرة يتم تصوير هذا الرفض على أنه نابع من مبدأ أو قناعة و تقييم واعي للحقيقة الراهنة.

لا يقدم الفيلم على التوازي التصنيف المؤلم الذي تضعه الدولة الحديثة للأشخاص كأجانب, إن والد "نائلة" المولود في مصر "إيلي روزينتال" (أبوه و أمه مهاجران من تركيا و أوديسا إلى مصر) لم يحمل الجنسية المصرية و لكن وثيقة سفر تماماً كحفيد "نائلة" النصف فلسطيني المولود في مصر والذي يحمل وثيقة سفر, بل إن والدي "نائلة" الإيطالية المسيحية "لياندرا" و اليهودي "إيلي" هاجرا إلى إيطاليا عام 1965 و ماتا هناك, إن مصير "نبيل" في البقاء بلا جنسية مثل جده اليهودي و والده وجده لأبيه يمثل الظلم الذي يقع من قبل جميع الدول (وليس الدولة المصرية وحدها) ضد الأفراد والعائلات بلا عقاب.

يستغل الفيلم الفلسطينين لدعم موقف المخرجة الموالي للتطبيع بدءًا من أغاني المطربة "كاميليا جبران" التي تخترق الفيلم بأكمله إلى بعض الفلسطينين الذين يتم دفعهم الى الشاشة لدعم الموقف الأيديولوجي لـ (سلطة بلدي), لا شيء يقمع المخرجة, يصر الفيلم على بيان كيف أن الموقف المحزن لعائلة "نائلة" والحاجة لتصحيحه تصطدم بالمطالب المتحجرة و الغير منطقية للقوة الشعبية في مصر التي تطالب بمقاطعة اسرائيل و رفض تطبيع العلاقات معها و هو ما يتناقض مع الموقف العاقل للحكومة المصرية التي قامت بالتطبيع, صديقة فلسطينية تدعة "ماجدة السقا" تعمل كمستشارة برامج في "جمعية الثقافة والفكر الحر" في خان يونس و الممولة من قبل مؤسسة فورد تأتي لزيارة "نائلة" بصحبة سيدة أمريكية تدعى "شاري لاب", "نائلة" تقول لـ "ماجدة" أن الوطنيين و الكتاب المصريين يدعون لمقاطعة كل ما يقع تحت الحكم الإسرائيلي بسبب أفعال الحكومة الإسرائيلية و لكن الفلسطينين يقعون تحت الحكم الإسرائيلي, تقاطعها "ماجدة" لتقدم أكثر الآراء ابتكاراً في الفيلم، فتعلن بإشارة من "نادية" و بلا مواربة (فليقاطعونا هؤلاء الكتاب و الوطنين نحن أيضاً... لقد بدأ المصريون حملة كبيرة قائلين إن الحكومات ستوافق و لكن من المستحيل على الشعوب أن تطبع, يتحدثون عن القضية الفلسطينية و حقوق الشعب الفلسطيني و لا أعلم ماذا أيضاً بينما نقع نحن الفلسطينين منذ ذلك اليوم في عزلة رهيبة, على سبيل المثال لم ترى أمي خالاتي, عاشت ثلاثون عاماً دون أن ترى أختها ثم ماتت الأخت في بلد آخر... إن كان لديك مساحة للمناورة فحاولي و إذا كنت ستنجحين فيجب أن تحاولي لتشعري بشعور جيد, لم أرى أولاد أعمامي و عماتي حتى بدأ الوضع في التحسن النسبي, إنهم في الخليج و في سوريا و في لبنان و في أبوظبي و في الكويت, لا أرى أن هذه المقاطعة قد فعلت أي شيء جيد للقضية الفلسطينية)... على النقيض من أغلب الفلسطينين الذين يفهمون أن فراقهم عن عائلاتهم ناتج عن حالة حرب و احتلال فرضتها إسرائيل التي منعت الفلسطينين الذين طردتهم من العوده إلى وطنهم والانضمام لعائلاتهم، تتبنى "ماجدة" وجهة نظر "نادية كامل" المؤيدة لخط التطبيع و تريد أن تصمم على أن الجهود المدنية المصرية لمقاطعة اسرائيل هي ما تسبب في تفريق هذه العائلات و ليس طرد إسرائيل لهم و قوانينها ضدهم, بالتالي يتم تصوير موقف العائلات الفلسطينية و عائلة "نائلة" على أنهم متشابهين لأن المقاطعة العربية في الحالتين و ليس إسرائيل هي المسؤولة عن بؤسهم و المصاعب الإنسانية التي تواجههم, لقد تم بشكل ما إقصاء إسرائيل عن المعادلة ما عدا في اللحظات الخاطفة التي يتم فيها تصوير الجدار العازل ونقاط التفتيش العسكرية عندما توصل "شاري" عائلة "نادية" من تل أبيب إلى رام الله لزيارة منزل "شاري", بل إن رام الله تحت الاحتلال تبدو مكاناً ممتعاً, فيها وصلات انترنت سريعة و مطاعم جميلة تقدم طعام شهي والمشروب الإلزامي، عرق بالثلج! تبدو فلسطين بشكل عام كوزموبوليتانية كالقاهرة قبل رحيل اليهود, "شاري لاب" و هي المنتج المشارك في (سلطة بلدى) امرأة أمريكية مولودة في القدس (والدها عالم آثار أمريكي كان يعمل في فلسطين) و هي كانت حتى وقت قريب مسئولة برامج في مؤسسة فورد و تعيش في فلسطين, إن وجودها ربما يمثل الكوزموبوليتانية بالنسبة لـ "نادية كامل" و لكن ماذا عن المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة؟ هل من المفترض على الفلسطينين أن يصروا على أن يستمر هؤلاء في أستيطانهم تحت مسمى الكوزموبوليتانية؟.

لـ "نائلة" تاريخ مشرف كناشطة يتم اختصاره سريعاً في الفيلم, بينما يسألها حفيدها عن سبب سجنها يكون صوته غير واضح و الكاميرا بعيدة (و لا توجد ترجمة إنجليزية لهذا السؤال), لا يتم السماح لنائلة بحكاية هذا التاريخ, ستتكلم "نادية" باختصار نيابة عن والدتها في وقت لاحق من الفيلم عن هذا النشاط (أظن أني أعرف ما يؤرقها, من الحقيقي أن هناك خوف تراكم عبر السنين و لكن هناك ما هو أصعب من هذا الخوف, أمي دخلت السجن ثلاث مرات و قضت فيه سبعة أعوام لأنها كانت شيوعية, و لكني أعتقد أنها تخاف التخلي عن الفلسطينين... إنها تبحث في المقالات التي كتبتها دفاعاً عن الفلسطينين عبر 35 عام عن جواب لحيرتها, علقت إحدى صديقاتي و هي امرأة من الحقل الأكاديمي و تعمل على مسألة الكوزموبوليتانية في مصر و شاهدت الفيلم في نيويورك، أن القليل جداً من الحنين يسجله الفيلم و المخرجة لزمن كان فيه العديد من المصريين شيوعين أو من أتباع مذاهب التحرر الوطني أو اشتراكيين أو أشياء من هذا القبيل (يصدر قريبا كتاب لـ "هالة حليم" عن نفس الموضوع), و لكن يبدو أن الفيلم و المخرجة لا يحنون لهذا النوع من التنوع, إن التنوع الوحيد في الفيلم يبدو أنه التنوع بين غير المسلمين والجنسيات الأجنبية بما في ذلك اليونانيين والإيطاليين و السوريين العرب المسيحيين و اليهود الأوروبيين و اليهود العرب الذين يفتقدهم الكوزموبوليتانيين المعاصريين ممن يحيون في القاهرة و الإسكندرية, يتسائل المرء بالضرورة إن كان الممولون الأوروبيون للفيلم مهتمين بالحنين للشيوعية العربية و المصرية التي كان والدا "نادية" جزءًا منها, و لكن مؤسسة فورد التي تدعم مهرجان آرت إيست (الذي تنظمه الأكاديمية الإسرائيلية ليفيا ألكساندر) و الذي عرض فيلم سلطة بلدي في نيويورك ربما لم تكن لتدعمه أيضاً, عندما شاهدت الفيلم في منتصف نوفمبر الماضي في جامعة كولومبيا حيث أقوم بالتدريس، قدمته "نادية كامل", وقفت و أعلنت للجمهور الأمريكي الذي تضمن العديد من اليهود المصريين وبعض مسئولي مؤسسة فورد (لقد أتيت من بلد تمتلىء بالتابوهات).

إن جرأة هذه العبارة لا يمكن تجاهلها, في نيويورك ما بعد 11 سبتمبر و جامعة كولومبيا ما بعد 11 سبتمبر أصبحت المحظورات على الكلام الحر و الحرية الأكاديمية جزء من الحياة اليومية, أن تأتي "نادية كامل" و تشتكي للجمهور و تطالبهم بالتعاطف مع معاناتها من محظورات بلدها يكاد يقترب من العيب الفاحش, و أنا هنا لا أقول أنه لا يوجد محظورات في مصر و لكني أقول أنه ليس من الشجاعة أن يلعب المرء دور المخبر المحلي أمام جمهور غربي يشترك مع "نادية كامل" في أنه يرى ما هو محظور في مصر و لا يرى ما هو محظور في الولايات المتحدة, إن استغلال القصة الحزينة و المؤثرة لـ "نائلة كامل" لتقديم أجندة أيديولوجيا تحاول الولايات المتحدة و إسرائيل دعمها منذ سنوات ضد رغبة أغلب المصريين هو مشروع غير تقدمي و غير ديموقراطي و هو أوضح ما يكون في هجوم المخرجة على الحملة المناهضة للتطبيع مع إسرائيل بدل من الهجوم على إسرائيل نفسها كطرف مسوؤل عن حزن أمها و حنينها إلى ابنه عمتها, إن عرض الفيلم في القدس الشرقية ورام الله حديثاً، حيث أشعل الكثير من الجدل يبين أن هناك الكثيرين من أشباه "نادية كامل" من يسعون إلى تطبيع تحت الاحتلال, إن ما يستطيع هذا الفيلم التسجيلي اثباته ليس أن أغلب المصريين يأتون من أصول "سلطة بلدي" و هو أمر معروف للمصريين و لكن إن ما يسعى الفيلم لدعمه هو بالتأكيد سلطة أفرنجي تتكون بشكل كامل من مكونات النيو ليبرالية الغربية الجديدة.

Feb 17, 2008

عدة ثقوب متفاوتة الاتساع

(1)

أخبرته أخيراً أنها فى كل مرة تسمع رأيه الخاص فى نفسه يزداد إدراكها بكم الغُبْن و عدم التقدير الذَّين يشعر بهما, فحين أخبرها قبلاً أنه يشعر بنفسه عظيماً, عبقرياً, جرئياً, صريحاً, يختار الأصعب و يستطيعه, يعرف عيوبه و مزاياه, يعرف تنقاضاته و يروج لها منعاً لصدمات لاحقة ... حين يخبرها ذلك كانت تبتسم, أخبرته أخيراً أنها لم تكن لتقبل أبداً عِزَّة كلماته لولا حبها له, حبُّها جعلها تتغاضى عن غرورٍ تراه زائفاً, لم يكن ليوجد لولا لرتق ثقب ضخم فى جدار غليظ رمادى اللون يحيط روحه, تنفذ غيرتُه و إنحدار ثقته بنفسه - بعشوائية - كلما أشار بلسانِه إلى الثقب و رتَقَه, أزعجه كيف تراه, أزعجه التفسير الجدى لابتسامتها, أخبرها أن ثمةَ فارقاً كبيراً بين ثقب يرتقه و سلسلة طويلة من أفكار أسرع تصل به فى النهاية إلى نرجسية صادقة فى كلمات أبطئ يعنيها ضاحكاً, إن الثقب و رتقه تفسيرٌ سهل, غير أنها لم تكن تجد ما يقوله لها فى نوبات نرجسيته صحيحاً, لم تكن تصدقه, كانت تكذب عليه.

(2)

ثم اخترقها مرتين بطريقتين مختلفتين خلال ساعة و نصف ليسيل قضيبه فى المرتين, انشغالها و تعثر مسارات ذهنها فى المرتين لم يُمَّكِّناها من كهرباء نشوتها, و لم يصلا به أبعد من مضاجعة منطقية لن تؤرق ما بين فخذيه ما تبقى من يومه, أخبرهن أن للذكور أيضاً مستويات من المتعة, اعتاد سؤالهن عن مدى تشبعهن مما حدث لتوه حيث اختلطت أفخاذهما, بعضهن شككن أنّ السؤالَ به شبهة ذكورىٍ قلق, الأخريات أَثْنين على السؤالِ فى سلام قائلات أنه من اللطفِ سؤال الرجل للمرأة عما حدث, رده دائماً كان يأتى فى شكل لحظات صمت يستهلكها عادةً لصياغة أفكاره الأسرع فى كلمات أبطئ, يتبع صمته دائماً بقولته الأثيرة أن على أحدهما افتتاح الكلام, إثناء إقراره لها بهذا التفسير تتعالى أفكاره المتسارعة عجباً من ذكورية الأنثى التى ترقد إلى جواره, احتضنها من الخلف بعد المضاجعة الثانية لامحاً ثدييها مسحوبين بدعة أسفل رقبتها, أشعل سيجارة بإحدى يديه مداعباً مساحات بشرتها بيده الأخرى, جالَ بنعومة فوق مسامها, داعب روحها فى بعض الأحيان برسم الدوائر و الأشكال, و كتابة الأسماء فوق تضاريس جسمها بعشوائيةٍ أوجدتْ أصابعه فى أماكن كثيرة منزوية اكتشفها لتوه, تذكر وقتها يوم كتبت بلونٍ أسودٍ مرتعش على قضيبه المنتصب (I love you), غاصت أصابعه فجأة فى بحيرة من إفرازات مهبلية كانت سابقاً تزعجه رائحة الفطريات فيها, عرف أن عليه إدارة الأمر بحساسية كيلا يحمرّ قضيبها الضامر, لم يتوقف و لم تطلب منه, ارتعشت مرات عدة حتى انفرط جسدها تحت وطأة التيار الكهربائى الوافد, يعرف جيداً أن الجنس معقد, لكنه أصيب بهلعٍ جديد حين اعتذرت له عن ممارستها معه للتو فعلاً حيوانياً صرفاً, فى هلعه أخبرها شيئاً, أخبرها عدم احتقاره للعادة السرية كما تعتقد, فى هلعه لم يخبرها الشئ الآخر, و قام ليغسل يديه محبطاً.

Jan 22, 2008

عن الميوعــة

بكثير من البساطة و ربما بكثير من السذاجة يمكننى الزعم أن معظم الأشياء تفقد شخصيتها , و تتجه حثيثاً نحو المزيد من "الميوعة" , كلامى مكرور , لكنها الأشياء تفقد شخصيتها , الأشياء عندى تبدأ من فناجين القهوة مروراً بأغلفة الكتب و بوسترات الأفلام انتهاءاً بمعمار المبانى و ممارسة الجنس , لا تزال براءتى تدفع السخط لأن يتملكنى بسهولة كلما أطلقت لأذنى و عينى العنان , حين أشاهد الندوات التليفزيونية التى تناولت فيلم "حين ميسرة" مثلاً , فلابد أن تقل المساحات المتبقية من عمرى تحت وطأة من يدافعون عن الفيلم و من يهاجمونه أيضاً , خاصةً إن الهجوم يلفت انتباهنا دائماً أنه فيلم جرئ به من المشاهد ما كان يستوجب حكره على "الكبار فقط" !! , مما دفع شركة التوزيع و الدعاية لاحقاً لأن تعلن فى إعلاناتها أن "حين ميسرة" هو فيلم (مش عادى / أجرأ فيلم فى تاريخ السينما المصرية) , أو أن يصبح الهجوم من نوعية (لا نستطيع الحديث عن الفيلم فنياً فهو عالى جداً على هذا المستوى , لكنه للأسف فيلم قاسى على مصر و يشوه سمعتها فى الخارج) !! , و لأنى لا "أحسبن" كأمى كلما داهمتها مفاجأة و لا أملك عمراً كأبى يجعلنى أراقبُ فقط ميوعة الأشياء بلا إكتراث حقيقى , فأنا أبتئس جداً فى سذاجة من روايات و أفلام و أغانى و تصريحات الأنبياء الجدد الذين حملوا على عاتقهم مهمة التبشير بما هو أفضل و قيادة من هم أحق.

آخر مسلسلات "الميوعة" هو (الرقص الشرقى) , فالراقصة التى ترقص رقصاً شرقياً هى الأخرى تفقد شخصيتها , لم تعد هناك البهجة و الكبرياء , لم تعد هناك "تحية كاريكوكا" تبتسم فى رقصتها ابتسامة من تعرف أنها ممتعة لكنها تصر على الاستمتاع برقصها قبل الآخرين.

لم تعد هناك انثناءات "سامية جمال" و غمزاتها الحزينة التى تخفى بحثاً شاقاً أكثر مما تظهر من بهجة , و كأنها خارجة لتوها من إحدى ليالى ألف ليلة و ليلة كأنثى عليها أن تسعد الأمير.

سابقاً أشرت إلى "زينات علوى" فراشة الرقص الشرقى الصامتة , لكنها "نجوى فؤاد" أيضاً لم تعد هناك , فناهيك عن كم الشبق و الشهوة فى كل حركة لساقيها و اهتزازة لنهديها فإن "نجوى فؤاد" أيضاً لها شخصية فى الرقص الشرقى.

إخلاص "سهير زكى" لفكرة الرقص الشرقى القائم على الغواية بجسد مميز و شعر أسود فاحم طويل يتلاعب بالساسة , و يتلازم مع "أحمد عدوية" , كل هذا زال.

و "فيفى عبدة" بانفراجة فخذيها و باطن قدميها , مع شخصيتها القوية و كأنها (مَعَلِّمَة) فى سوق تجارى تصر على إرضاء كل زائر يحب الرقص الشرقى , اعتزلت الرقص تاركةً الأمر برمته لمن (يعجنون) كما قالت هى , "فيفى عبدة" بمعزل عما تفعله الآن فى التليفزيون راقصة لها شخصية حاضرة تميزها.

حتى "سحر حمدى" و "منى السعيد" و "هياتم" و رقصهن الشبقى فى سبعينات و ثمانينات القرن الماضى , و غيرهن ممن فشلن فى شغل مساحات ذات أهمية فى الرقص الشرقى , كلهن ذهبن مع الذاهبات.

لم يتبق غير "لوسى" من زمن ولى تحاول استعادة ما فات بعد أن تغير كل شئ و ... "دينا" تخدعنا بتعثرها فى الخطو و بابتسامتها الماسخة كلما أدركت فى قرارة نفسها أن ما يصنفها راقصة شرقية هو شئ آخر تماماً , ليس اسمه بالتأكيد (الرقص الشرقي) لن تجد فى عينى "دينا" نظرة تحترم الرقص الشرقى , ربما تجد ذلك فى أحاديثها , فستجد دائماً نظرة من تعرف أن الرقص شئ مهم لكن النجومية شئ أهم , و النجومية قد خدعت الكثيرين , الدعاية جعلت كل شئ يندرج عندى تحت مسمى "ميوعة" الأشياء , الإلحاح أفقد الأشياء شخصيتها.

سيل عارم من التصريحات و اللقاءات و الأعمال و البرامج و الصور و الإعلانات و الصحف تصنع نجومية زائفة تلح علينا يومياً , الدعاية صنعت أنبياءاً وهميين لا يملكون النبوة لكنهم يطلبون المريدين باستمرار.

Jan 12, 2008

ينايـر الأبيض

(1)

بالأمس وجدت ضرسين و 4 أسنان أمامية سقطوا منى قبل 15 عاماً, اكتشفت - أو تذكرت - أنى احتفظت بأسنانى المتساقطة فى علبة دواء صغيرة جداً بنية اللون غطاؤها أبيض داخل أحد أدراج بيت أسرتى, و بالأمس أيضاً اكتشفت للمرة الألف أنى أرتحل بين الأماكن حاملاً معظم أوراقى, و شهادتى المدرسية, كل صورى القديمة و كل ملابسى, كل تذاكر الأفلام التى دخلتها, الكثير من الأغانى التى أسمعها و بعض الأفلام التى أشاهدها, الهدايا و الخطابات التى تلقيتها من حبيبات أو من أصدقاء, أحمل كل هذا بين الأماكن رغم يقينى أن خطط الرجوع مدروسة و أن فترات الإقامة مؤقتة بل و أن العودة مضمونة .. فقط بالأمس اكتشفت أنى لم أعد أثق كثيراً سوى فى نفسى, بالأمس اكتشفت أن هذا مُنهِك, و حين يصل بى الإنهاك إلى مداه أبعثر الأشياء بلا إهتمام .. هذا ناجح , فلا شئ يسترعى الإنتباه.

(2)

لا شئ يسترعى الإنتباه .. كم هو عظيم "بشارة واكيم/درويش باشا" فى فيلم (ليلى بنت الفقراء), يعيش وحيداً بلا زوجة, بلا أبناء, يتحسر فى سخرية على أيام شبابه فى شارع "خيرت", يوافق على زواج "أنور وجدى" من "ليلى مراد" لمجرد أن لا شئ هناك يستحق الرفض, يطلب من البارمان : ( إدينى واحد من العجيب المدهش ) دون أن يلوى على شئ ... لا شئ يستحق, و كم هو حاسم "مختار عثمان/درويش أفندى" - والد "ليلى مراد" - حين يقول : ( مِنْ حَبّك لجْلْ شئ , كِرْهكْ عند انقطاعه ).

(3)

حلم : أدخل حاملاً حقيبة سفر كبيرة و فوقى ملامح وجهٍ غاضب لا يبوح بشئ, المكان عبارة عن غرفة واسعةً تمثل باتساعها كلَّ الشقة, لا حوائط, لا فواصل سوى فاصل وحيد غير مكتمل يصنع ممراً ضيقاً به فراش سأنام عليه, لم يكن المكان خالياً من الناس, فثمة رجل صموت و طفل من أطفال الجيران و .. أنثى لم أرى مثيلاً لها من قبل, بضة, متثنية بكل أنحاء جسدها, ناعمة, ترتدى رداء نوم ضيق, بشرتها بيضاء تلمع و رداءها أيضاً أبيض ساتان, أداعب ثدييها كلما تسنى لى ذلك, يدور ذراعى الأيسر حول ظهرها ليداعب ثديها الأيسر بإحتواء شهوانى, تتدلل مرات, و تجرى منى مرات, إضاءة المكان ضعيفة لكنها - الأنثى - تبقى مرئية بوضوح, لون بشرتها يظهر كمصباح متحرك, لا يقودنى إليها نور بشرتها قدر ما يقودنى خلفها ذبذبات شهوة صرفة لا علاقة لها بأى شئ خارج تفاصيل الجسد, تولدت المشاعر من الجسد, لم يحدث العكس, عشق خاص للجسد, عشق قائم بذاته لا يمكن تبريره و لا يستساغ قياسه بما هو خارج الشهوة و الشبق, تتمنع بضحكة, تتدلل بالتواءة كالتواءات العجين الطرى فى يد خباز أو كالتواءات شفتين ناعمتين داخل قبلة حارة لا تنتهى, إفترضت فى صمت أنى إذا غرست سبابتى فى لحمها ستختفى أول عقلتين منه دون أثر, لا عن زيادة وزن أو ترهل جسد, بالعكس .. إن ساقيها مشدودتان و متينتان كما أحب دوماً أن تكون ساق الأنثى, ساقاً لحيمة قوية, ستختفى العقلتان بإيعازٍ من ليونة غير طبيعية جعلتنى أعرف أنى قد أفقد عضوى ذائباً داخلها إذا ما استقر فى غمده بين ساقيها, سألتها و أنا أعبث بأطراف أصابعى اليسرى فوق القبتين اللتين تتصدرا النظر, إذا ما كانت تجد تشابهاً فى الشكل بين حلمتيها و بين طرابيش المولوية, الإرتفاع, الصلابة, البروز, الانتصاب .. اللون الداكن, ضحكت و نظرت إلى الرجل الجالس, ثم نهضت إلى حيث تضع أطباق العشاء, فى عودتها نهضت بدورى و احتويت خاصرتها بذراعى الأيمن قائلاً و أنا أشير برأسى تجاه الممر الضيق الذى سأنام فوق الفراش الملقى فيه : (هننام هناك ), التفتت بحدة و نظرة إندهاش حقيقية قائلةً : ( أنا عايزة آجى بس مش المفروض تفترض إنى عايزة آجى ) .. صمتُّ تماماً.

online